في هذا المكان الموحي، في ميدان غيط العدة المتفرع من شارع محمد علي في عابدين، كان ميلاد الفنان يوسف طبوزادة عام 1909. وفي هذا الزمن البعيد وبين ظلال القصور نشأ يوسف و شهد بداية ثورة 1919.

و في سن الرابعة عشرة رحل من مصر و شق طريقه إلى روما عام 1923، مترحلاً بين مدن الجمال والمعرفة الفنية: فلورنسا، فينسيا، روما و باريس. عائداً بعدها إلى وطنه عام 1932.

الفنان في روما في عام 1924

 

و مابين الميلاد في غيط العدة في 16 فبراير عام 1909، والرحيل الأخير في 21 مارس 1990، كان يوسف مدحت طبوزادة محباً للحياة وحركة الوجود، مغرماً بالسفر والترحال، ففيه كان هروبه من ألم فقدان الأم المبكر والوحدة اللذان ظلا يطارداه إلى نهاية حياته، أخفاهما  بحرص بين حنايا قلبه, نراها احياناً تسربت إلى إبداعاته.

كان والده أحمد حافظ وارثا عن أبيه مختار خيري طبوزادة و عن أمه عائشة هانم عثمان ثروة ضخمة, إلا أنه فقد أغلبها بإسرافه بعد وفاة زوجته الشابة التي تركت له أربعة أطفال (نصرت، عائشة، يوسف و حسين). و في العاشرة من عمره فقد أمه وفقدان الأم في هذا السن كان له ابلغ الأثر، فتمرد على الدراسة وعلى الحياة الأسرية وعلى طبقته، فارتدى الجلباب متجولاً في شوارع القاهرة واشترك في المظاهرات الوطنية، محتجاً على الظلم والاحتلال. و كان الطفل محبا للرسم فأمسك بالقلم و الورقة، ليرسم الآمه معبراً عن احساساته. هجر التعليم المنتظم متمرداً على أغلال طبقته و قيودها و رفضها لعشقه الكبير للرسم و الفن.

في عام 1923 عاد خاله إبراهيم باشا رشاد إلى القاهرة بعد حصوله على درجة الدكتوراه في التعاون الزراعي من دبلن، عاد ليتفقد أحوال أبناء شقيقته الصغرى التي فقدها أثناء أعوام الدراسة و رأى أحوال الطفل يوسف وما آل إليه حاله بعد فقدان الأم، و لاحظ موهبته فأشار على والده بإرساله إلي روما لدراسة الفن، ليضعه بذلك على الطريق الصحيح. و رحل في نفس العام إلي روما و هو في الرابعة عشرة من عمره ، كان شاباً، يافعاً، مستسلماً، خاشياً السفر إلى بلد لا يعرفه، و لغة يجهلها، عالماً بأنه سيحقق حلمه و أن يرسم دون أن ينهاه أحد أو يعاقبه. و في ذلك الوقت كان زيور باشا ابن عمة والده سفير مصر لدى إيطاليا فصار وصياً عليه، و عندما أصبح رئيس وزراء مصر ترك الوصاية عليه، و تلاه فيها عبد العظيم باشا راشد الذي خلفه في منصبه كسفير لمصر في إيطاليا. و في روما أقام يوسف في منزل سنيور كاردي أستاذ اللغة الإيطالية الذي احتضنه ورباه مع أطفاله، ولما أتقن اللغة انتظم في الدراسة و نال يوسف على الشهادة الابتدائية  وأصبحت حياته مبشرة. عاش في جو الفن والفنانين منذ الصغر وساعده في تحقيق ذلك معلمه سنيور كاردي الذي كان بمثابة الأب له في الغربة، وقد احتفظ يوسف لهذا الرجل بمحبة كبيرة ومعزة له ولأسرته إلى نهاية العمر.

وتخطى يوسف سنوات الدراسة بنجاح من المدرسة الثانوية الفنية. ثم التحق بالأكاديمية الإيطالية للفنون الجميلة في روما و درس فيها أربع سنوات و حصل على درجة البكالوريوس، ثم درس سنة أخري و نال درجة البروفسورا ( الأستاذية ) في الفن التشكيلي، و أثناء دراسته في روما اشترك مع أستاذه الإيطالي و زميل آخر إيطالي في ترميم الحجرات الخاصة لبابا الفاتيكان. و بعدها تنقل الفنان ما بين فلورنسا وفينيسيا وروما و باريس مدائن الفن والجمال والمعرفة.

 

الفنان في روما في اواخر العشرينات

و عند وفاة والده أحمد حافظ عام 1930، و اعتذار اسرته عن مساعدته مادياً عاد يوسف إلي القاهرة عام 1932. و بدأ يبحث عن عمل في القاهرة ليعيش منه لأن الفن في ذلك الحين لم يكن يسمح للمعيشة. و اثناء أزمة الثلاثينات الاقتصادية العالمية و التي عانت منها مصر أيضا لم تتيح له فرصة إيجاد عمل سريع، و هنا تقدمت زوجة خاله عائشة هانم و استضافته في منزلها, فأمضى وقته في رسم لوحات عديدة اشترك بها في الكثير من المعارض الفنية بالقاهرة و نال عن بعضها الجوائز الأولي. و استمر يوسف في إبداعاته و بعد أعوام من البحث عن وظيفة حصل على العمل الذي يرضيه في مصلحة المباني التابعة في ذلك الحين لوزارة الأشغال. و هناك وجد صحبة رائعة من شباب المهندسين الذين أصبح لهم فيما بعد شأنا عظيما. حيث ألتقى بالمهندس و الشاعر الرقيق على محمود طه و الأستاذ الدكتور فريد شافعي مصمم و منفذ التحفة المعمارية الرائعة مقبرة الأغاخان بأسوان و المهندس أحمد إبراهيم كامل و المهندس نجيب رمزي استينو.

و اشترك في تصميم و تنفيذ و ترميم العديد من مباني القاهرة مثل المعمار الإسلامي لإدارة الأزهر الشريف، قاعة الاحتفالات بجامعة القاهرة، كبري قصر المنتزه، جامع محمد على بقلعة صلاح الدين, وجامع البرلمان (مجلس الشعب حاليا).

و من أعماله الهامة لوحتي المدخل الرئيسي لحديقة الحيوان بالجيزة و اللوحات الأفرسك بالاستراحة الملكية وجناح الوزراء بحديقة الحيوان و أفرسك الطابق الأعلى بنادي بنك مصر بإمبابة, والكثير من اللوحات التاريخية بمتحف الحضارة.

الفنان بجوار لوحته في حديقة الحيوان بالقاهرة, 1939

 

لم تكن هذه الأعمال أهم ما أبدعه الفنان  لتلك الفترة بل كانت العديد من أعمال الأفرسك الذي قام برسمها في قصور بعض رؤسائه وأصدقائهم و منها لوحة جدارية كبيرة أجبر على رسمها في قصر...  باشا! و كردّ فعل لهذا الإجبار لم يوقع عليها انتقاما من الباشا المستغل. و بعد سنوات أخبره مدرس ابنته مسيو ميشيل، بعد أن رأى، في منزل الفنان، رسم تحضيري للوحة بالألوان المائية، أن الباشا وضع عليها اسم أوروبي، فبكى لسرقة عمله و من وطء الظلم الذي صادفه في حياته أكثر من مرة.

و مضت الأيام بالفنان في هدوء، قضاها مع زوجته و طفليه.

زوجة الفنان مع تمثال لها, 1940

 

زوجة الفنان مع طفليه, 1944

كان يمارس عمله في مصلحة المباني ثم في هيئة المعارض الدولية بعد اشتراكه في أنشائها مع زميل عمره المهندس أسماعيل نظيف. و أخذ عمله في هيئة المعارض من وقته الكثير, فكان كثير السفر و الترحال، عبر البلاد و القارات، من أوربا إلى  الشرق الأوسط و الأقصى مرورا بالأمريكيتين و أفريقيا يقيم المعارض الدولية باسم مصر و يمثلها. إلا أن القاهرة ظلت مقر عمله الحكومي التي كان يعود إليها دائما. و كانت آخر رحلاته إلي الكويت حيث أشرف على إقامة و افتتاح آخر معرض دولي أقامه باسم مصر عام1969.

الفنان بصحبة رئيس الجمهورية الايطالية و الأستاذ حسين لبيب في معرض دولي بايطاليا عام 1951

الفنان مع رئيس وزراء ايطالية في معرض دولي بايطاليا عام 1951

الملك حسين و معه الفنان عام 1951

و في 16 فبراير 1969 بلغ سن المعاش و بعده كرث كل وقته لربه و لأسرته و للرسم. و قد تزوج أبنه حافظ بعد تخرجه مباشرة من كلية الهندسة و رزق بدوره بابنه كريم (المهندس, مصمم ومنفذ هذا الموقع) و ابنته عالية. و في نهاية نفس العام سافرت ابنته زكية إلي باريس للحصول على درجة الدكتوراه في المصريات. و عندما عادت الابنة من باريس في شتاء 1976 سافر الابن إلي الإمارات العربية للعمل هناك. فكذلك كتب القدر على هذه الأسرة الصغيرة أن لا يتجمع أفرادها وأن يكون هناك دائما فرد منها بعيداً.

 

الفنان مع أسرته في منزله بالقاهرة, 1987

عاش يوسف سنوات طويلة قضي أغلبها مع زوجته التي تحملت بشجاعة و حب مسؤولية تربية الأولاد اثناء غيابه. و كانت هذه الفترة من أخصب فترات حياته قضاها في هدوء يمارس فيها عشقه القديم للرسم، فأبدع و رسم أجمل اللوحات (من ضمنها في مقتنيات مجموعات خاصة بالقاهرة). و لكن الرياح لا تأتي دائما بما تشتهيه السفن فقبل وفاته بعدة أعوام أصيب بضمور في عضلة العينان بعدها أخذ بصره يضعف فلم يعد يميز بين درجات الألوان إلا أنه أستطاع رغم معاناته إتمام آخر لوحاته "النور", و فيها يظهر الفلاح المصري يقود مجموعات من البشر يظهر فيهم مصريون و أفارقة و عرب، رافعا يداه نحو نوراً من السماء مستنجداً بالله, معبرا هنا عن فكرة ربما كانت هي خلاصة تجاربه وغربته الطويلة.

 

و في 21 مارس 1990 صعدت روحه الطاهرة إلي بارئها تاركا لأسرته تراث كبير من اللوحات وأجمل الذكريات و وحشة غياب لا نهاية لها. رحم الله الفنان يوسف طبوزادة.